عبد الكريم الخطيب

1019

التفسير القرآنى للقرآن

هذا وعد من اللّه سبحانه وتعالى لمن آمن باللّه وعمل صالحا ، وانتفع بهذا النور الذي أنزله اللّه - بأن يدخله اللّه جنات تجرى من تحتها الأنهار ، خالدا فيها ، لا يتحول عنها أبدا ، حيث يرزق رزقا حسنا من فضل اللّه وإحسانه ، في هذه الجنات التي ينعم فيها بما شاء من نعيم لا يحيط به وصف . . وفي إسناد الإيمان والعمل الصالح ودخول الجنة ، والرزق الحسن فيها - في إسناد هذه الأفعال إلى ضمير المفرد : « يؤمن باللّه . . ويعمل صالحا . . يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار . . قد أحسن اللّه له رزقا » - في هذا إشارة إلى أن هذه الأفعال ، إنما هي من شأن الإنسان نفسه ، وجزاؤها واقع عليه وحده . . فالإيمان ، والعمل الصالح ، مطلوبان من الإنسان ، كإنسان له وجود ذاتي ، يناط به التكليف ، وتقع عليه آثار أعماله من حسن أو سيئ . . ودخول الجنة ، والرزق الحسن فيها ، هو الجزاء الذي يتلقاه المؤمن جزاء إيمانه وعمله الصالح . أما إسناد الخلود في الجنة إلى جماعة المؤمنين الذين أدخلهم اللّه الجنة مع هذا المؤمن ، فذلك لأنهم جميعا شركاء في هذا الخلود . . فكلهم خالد في هذه الجنات ، وإن اختلفت منازلهم فيها بحسب أعمالهم . . فهم في المنازل على أحوال مختلفة ، كلّ في منزلته ، وإن كانوا في الخلود على سواء . . ثم إن الخلود في الجنة يوحى بثقل هذا الزمن الذي لا ينتهى ، وخاصة إذا كان المرء وحده ، في عزلة داخل زمن لا حدود له . . فإذا كان هذا الخلود مع مشاركة لأعداد من الناس لا حصر لها ، كان ذلك الخلود سائغا ، بل ومطلوبا ، حيث يأنس الناس بالناس - وفي هذا يقول المعرى :